ابن قيم الجوزية
663
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
غيره . وهذا ليس بقوي . إذ لا تقول العرب عدلت بكذا ، أي عدلت عنه . وإنما جاء هذا في فعل السؤال . نحو : سألت بكذا . أي عنه . كأنهم ضمنوه : اعتنيت به واهتممت . ونحو ذلك . وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] وهي تسمى آية المحبة . قال أبو سليمان الداراني : لما ادّعت القلوب محبة اللّه أنزل اللّه لها محنة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . قال بعض السلف ادعى قوم محبة اللّه ، فأنزل اللّه آية المحنة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . وقال « يحببكم اللّه » إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها ، وفائدتها . فدليلها وعلامتها : اتباع الرسول . وفائدتها وثمرتها : محبة المرسل لكم . فما لم تحصل المتابعة . فليست محبتكم له حاصلة . ومحبته لكم منتفية . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [ المائدة : 54 ] فقد ذكر لهم أربع علامات : أحدها : أنهم « أذلة على المؤمنين » قيل : معناه أرقاء ، رحماء مشفقين عليهم . عاطفين عليهم . فلما ضمن « أذلة » هذا المعنى عداه بأداة « على » قال عطاء : للمؤمنين كالولد لوالده ، والعبد لسيده . وعلى الكافرين كالأسد على فريسته أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . العلامة الثالثة « 1 » : الجهاد في سبيل اللّه بالنفس واليد ، واللسان والمال ، وذلك تحقيق دعوى المحبة . العلامة الرابعة : أنهم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم . وهذا علامة صحة المحبة فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة . كما قيل : لا كان من لسواك فيه بقية * يجد السبيل بها إليه اللّوم وقال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) [ الإسراء : 57 ] فذكر المقامات الثلاث : الحب . وهو ابتغاء القرب إليه ، والتوسل إليه بالأعمال الصالحة . والرجاء والخوف : يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب . ومن المعلوم قطعا : أنك لا تنافس إلا في قرب من تحب قربه ، وحبّ قربه تبع لمحبة ذاته . بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه . وعند الجهمية والمعطلة : ما من ذلك كله شيء . فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ، ولا يقرب من ذاته شيء ، ولا يحبّ لذاته . ولا يحبّ . فأنكروا حياة القلوب ، ونعيم الأرواح ، وبهجة النفوس ، وقرة العيون ، وأعلى نعيم الدنيا والآخرة . ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة ، وضربت دونهم ودون اللّه حجب على معرفته ومحبته . فلا يعرفونه ولا يحبونه . ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته فذكرهم أعظم آثامهم
--> ( 1 ) لعله قصد من الأولى اثنين لأنها « أذلة على المؤمنين . أعزة على الكافرين » .